العلامة المجلسي
312
بحار الأنوار
يا هشام إن ضوء الجسد في عينه ، فإن كان البصر مضيئا استضاء الجسد كله . وإن ضوء الروح العقل ، فإذا كان العبد عاقلا كان عالما بربع وإذا كان عالما بربه أبصر دينه . وإن كان جاهلا بربه لم يقم له دين ، وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحية فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة ، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل . يا هشام إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا ( 1 ) فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ، ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار ، لان الله جعل التواضع آلة العقل ، وجعل التكبر من آلة الجهل ، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف ( 2 ) برأسه شجه ( 3 ) ومن خفض رأسه استظل تحت وأكنه ، وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله . ومن تواضع لله رفعه . يا هشام ما أقبح الفقر بعد الغنى ، وأقبح الخطيئة بعد النسك ، وأقبح من ذلك العابد لله ثم يترك عبادته . يا هشام لا خير في العيش إلا لرجلين : لمستمع واع ، وعالم ناطق . يا هشام ما قسم بين العباد أفضل من العقل ، نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل ما بعث الله نبيا إلا عاقلا حتى يكون عقله أفضل من جميع جهد المجتهدين . وما أدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل عنه ( 4 ) . يا هشام قال رسول الله صلى الله عليه وآله . " إذا رأيتم المؤمن صموتا فأدنوا منه ، فإنه يلقى الحكمة . والمؤمن قليل الكلام كثير العمل والمنافق كثير الكلام قليل العمل " . يا هشام أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام " قل لعبادي : لا تجعلوا بيني وبينهم
--> ( 1 ) الصفا : الحجر الصلد الضخم . ( 2 ) شمخ - من باب منع - : علا ورفع . ( 3 ) أي كسره وجرحه . ( 4 ) أي ما يؤدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عرف الله إلى حد التعقل ، أو أخذ عنه .